من يقرأ كتاب " الأراضي قوانين واجراءات " للمحامية سلمى سليمان الذي صدر مؤخراً عن الكلية العصرية الجامعية، يقف على حقيقة تعقيدات موضوع الأراضي، نظراً لتعدد القوانين والمرجعيات، ومن هنا تكمن أهمية هذا الكتاب، الذي يعرف بقوانين الأراضي ابتداءً من الاتراك ومروراً بالبريطاني والأردني والاسرائيلي ووصولاً الى الفلسطيني.
وقد اسهم عدم المعرفة الدقيقة بالقوانين والتباين بينها وتفسيراتها المختلفة، الى بروز حالة من الارباك والارتجال والاجتهاد كانت في كثير من الاحيان على حساب الملكية الحقيقية، فيما اخترع الاحتلال قوانين واوامر نفذ من خلالها الى مساحات شاسعة من ارضنا تحت مبررات ومسميات، مكنته من تمرير مخططاته وتوجهاته الكولونيالية الاستيطانية.
وقد بينت الباحثة تصنيف الأراضي، والفرق بين الأراضي المملوكة والأميرية والوقفية والمتروكة والموات، ثم بينت مراحل التطور التاريخي للنظام القانوني للأراضي في فلسطين، شارحة قانون الأراضي العثمانية الصادر في العام 1858 وقانون الطابو في العام 1861 وقانون تملك الأجانب للأراضي في فلسطين في العام 1869، ثم سلطت الضوء على النظام القانوني فترة الاستعمار البريطاني (1917-1648) ومن ضمن ذلك قوانين تصحيح سجلات الطابو في العام 1920. وتناولت تشخيصاً وتحليلاً قوانين الاراضي في الضفة فترة الحكم الأردني، وفي قطاع غزه في سنوات الادارة المصرية للقطاع، وصولاً إلى الاجراءات والأوامر المتعلقة بالأراضي في زمن الاحتلال الاسرائيلي، معطية المساحة الأوسع من بحثها للنظام القانوني للأراضي في فلسطين بعد تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية.
ولعل اللافت في البحث ذلك التوضيح المفيد لماهية تسجيل الأراضي ومراحل عملية التسجيل والوكالة وخصائصها وصحتها وأنواعها وفترة انتهائها وأسس اعتماد الوكالات أمام دوائر التسجيل، إضافة إلى كيفية التعامل قانونياً مع التسجيل عوضاً عن ضائع ومعاملات تصويب الاسماء والايجار والكشف والمساحة وتحري السجل وتقدير قيمة العقار .... الخ
الاصدار الجديد وضع وثيقة قانونية لمحامية عملت سنوات طوالاً في مجال الأراضي، وإلى جانب ذلك يشكل عملاً تثقيفياً بالأراضي وقوانينها للمواطن العادي، الذي بمقدوره من خلال ما تضمنه الكتاب من ايضاحات وشروحات قانونية، ان يتحقق من وضع أرضه القانوني وسبل تسجيلها بما يضمن حقوقه وملكيته.
وقد سعت الباحثة إلى تحقيق جملة من الأهداف من خلال بحثها الموثق والمدعوم بمواد قانونية ارشيفية ومنها:
أولاً- سد ثغرة حقيقية في هذا المجال وتوفير مرجع قانوني للمتخصصين والمهتمين والعاملين في مجال الأراضي.
ثانياً- اسندت المراجع القليلة في مكتبتنا الفلسطينية بمرجع من شأنه أن يرشد طلبة القانون في جامعاتنا ويوجههم في ميدان صعب وشائك، لكن باسلوب فيه نوع من التبسط القانوني بما يسهل عملية الاستيعاب والفهم.
ثالثاً- يرشد المواطن الفلسطيني العادي إلى طرق الحفاظ على ارضه قانونياً في اطار تعريفه بخطوات وآليات ومنهجية التسجيل الصحيح.
رابعاً- يوفر لصناع القرار على المستوى السياسي معلومات ومعطيات حول الأراضي الفلسطينية وتصنيفاتها.
خامساً- من المأمول أن يؤسس لثقافة شعبية تتعلق بالأراضي، بتوفير ما يلزم من تعريف، يقطع الطريق على المتلاعبين والمصطادين الذين يستغلون جهل المواطن بحقيقة وضع الأرض القانوني، لا سيما وان منازعات الأراضي في المحاكم هي القضية الأكثر حضوراً في الدعاوى والشكاوى.
إن هذا الإصدار يؤكد أهمية دور الجامعات والمؤسسات التعليمية الفلسطينية في تشجيع البحث العلمي وتحفيز الباحثين على العمل والانتاج، من خلال "الحاضنة المؤسسة". حيث ان احد معايير تقييم مستوى المؤسسات التعليمية والمعمول به على مستوى العالم، هو مدى الاسهام البحثي، فهذا الميدان يقيس التفاعل مع الحاجات المجتمعية والانسانية، في شتى العلوم والمجالات، فالانتاج البحثي من المفروض الا يكون محصوراً في حاجات أكاديمية صرفة، ليتسع ويغطي متطلبات علمية وثقافية ومعرفية على مستوى الوطن، وأبعد على المستوى الانساني. وفي فلسطين تتوافر امكانات بحثية وأكاديمية لكنها بحاجة إلى الحاضنة المؤسساتية، فيما المطلوب من اكاديميينا وباحثينا الاجتهاد في انتاج البحوث والدراسات التي تفيد الطلبة وترتقي بمستوى التعليم العالي في بلادنا، الى جانب توفير المعرفة المجتمعية، لا سيما وان المجتمعات التي تسعى للتطور وتولي اهتماماً كبيراً للعمل البحثي وتخصص له الميزانيات الطائلة ، لكي تشجع الباحثين على العمل والانتاج، اما الدول التي لا تنتج معرفياً وبحثياً تظل تقبع في قاع السلم تجتر معلومات قديمة لا علاقة لها بايقاع التطور السريع الذي بات سمة العصر.