لقد تعامل مجلس الأمن مع القضية الفلسطينية منذ نشأتها، باعتباره الفرع التنفيذي للأمم المتحدة، والذي لديه السلطة والصلاحيات لتنفيذ ميثاق الأمم المتحدة وخصوصا فيما يتعلق بهدف السلام والأمن اللذين من اجلهما قامت الأمم المتحدة، ولديه من السلطات ما يفرض العقوبات على الدول التي تهدد هذا السلام والأمن للخطر وذلك بتطبيق بنود الفصل السابع من الميثاق.
لكن معضلة مجلس الأمن تكمن في الفيتو الذي تتمتع به الدول الخمس الدائمة . هذا ولقد أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات بشأن القضية الفلسطينية ، ولكنها جميعها لم تصدر وفقا للفصل السابع من الميثاق، وبذلك بقيت مجرد توصيات غير ملزمة لإسرائيل، ومن ناحية اخرى قرارات كثيرة أجهضت بسبب الفيتو الأمريكي، وهذه المعضلة الثانية التي واجهت مجلس الأمن في معالجة الصراع العربي الإسرائيلي، وهو الإلتزام الأمريكي بأمن وبقاء إسرائيل، ولا احد يتدخل في ذلك.
ولكن عندما يتم الربط بين هذا الإلتزام، وبين قيام مجلس الأمن بدوره في تحقيق السلام والأمن العالميين، هنا هذا الفيتو يعمل ضد ميثاق الأمم المتحدة وأهدافها وضد العدالة الدولية. والسؤال هنا هل كان بمقدور مجلس الأمن تسوية هذا الصراع وإحلال السلام بدلا من الحرب؟ والإجابة بالتأكيد نعم، لكن كما أشرنا الفيتو الأمريكي حال دون ذلك، ولذلك ساهم بإستمرار الصراع، وإندلاع حروب كثيرة ، وما زال الباب مفتوحا امام استمرار حالة الحرب، بل إن هذا الفشل ساهم أيضا في انتشار وتوالد الأفكار والحركات المتطرفة والمتشددة والتي ادخلت ليس فقط المنطقة لحرب إرهاب ، بل امتدت هذه الحرب إلى قلب الولايات المتحدة وأوروبا، واحتمالات أن تتسع دائرتها طالما ان القضية الفلسطينية دون حل، وطالما ان الفلسطينيين لا يمارسون حقهم في تقرير مصيرهم وقيام دولتهم الديموقراطية والمسالمة.
وليس معنى ذلك ان القضية الفلسطينية هي السبب في حرب الإرهاب، فهذه لها أسباب كثيرة ليس محلها هنا، ولكن التأكيد على ان القضية الفلسطينية وباعتبار المكون الديني والمقدس يلعب دورا كبيرا في تحديد أبعادها ومداها ، فكان الأجدر بالولايات المتحدة ومجلس الأمن إدراك ذلك، بانتزاع المبرر، بقيام الدولة الفلسطينية . وللموضوع بعد آخر يتعلق بدور مجلس الأمن أولا في نشأة القضية الفلسطينية.
وثانيا: مسؤوليته في حل هذه القضية ، ومسؤوليته ثالثا: في استمرارها فمجلس الأمن له وظيفة رئيسية وهي حفظ السلام والأمن العالميين ودون ذلك يكون فشلا له، والقضية الفلسطينية تعبر عن هذا الفشل.مسؤولية مجلس الأمن في أنه وفر الشرعية الدولية لإسرائيل كدولة بقرار رقم« 181» الذي نص على قيام دولتين واحدة يهودية والأخرى عربية ، وهي الشرعية الدولية التي يرفض تطبيقها على الفلسطينيين.
ومسؤولية مجلس الأمن وهذا هو المهم قبول إسرائيل دولة عضوا كاملة العضوية في الأمم المتحدة ، وهو ما رفض المجلس أن يمنحه للفلسطينيين بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية ، ومسؤولية مجلس الأمن في توفير الحماية لإسرائيل من أي عقوبات تفرض عليها بسبب عدم التزامها بقرارات الشرعية الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن. ورغم كل هذه المعيقات التي تحد من دور مجلس الأمن، لكنه يبقى الخيار الفلسطيني الأهم لوضع حد للإحتلال الإسرائيلي، والقبول بفلسطين دولة كاملة العضوية ، هذه المسؤولية الدولية لمجلس الأمن، وتبقى مسؤولية دائمة ، والفشل في عدم تبني قرار دولي بالدولة الفلسطينية لا يعني إسقاط هذا الخيار. من هذا المنظور تأتي المحاولات الفلسطينية بالتوجه لمجلس الأمن حتى يتم انتزاع القرار الدولي بقيام فلسطين الدولة المستقلة ..وليس فقط الدولة كاملة العضوية ، فلا تكتمل العضوية وتصبح حقيقة سياسية دون إنهاء الإحتلال.
وهنا مسؤولية مجلس الأمن مزدوجة .ولذلك عندما فكر الفلسطينيون بمجلس الأمن إنما كان من هذه المسؤولية الدولية. ولكن الفلسطينيين يدركون أن مجلس الأمن يتحكم فيه حق الفيتو الذي بممارسته من قبل اي دولة يجهض ويسقط أي مشروع قرار، وخصوصا في حالة إسرائيل وعلاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة التي سخرت حقها في الفيتو لإسرائيل فقط. وللتغلب على ذلك لابد من جعل القضية الفلسطينية قضية دولية ، وتفعيل المسؤولية الدولية ، وطرحها من جديد من هذا المنظور، فالتحولات الدولية والإقليمية ، وتزايد الملفات الدولية ، وظهور حروب جديدة تهدد سلام وأمن العالم تستوجب التصدي الدولي لتبني الدولة الفلسطينية ، ومن أبرز التحولات هنا الإعترافات البرلمانية الأوروبية وغيرها ، ووصول اليمين المتشدد في إسرائيل للحكم ثانية بزعامة نتانياهو وما لذلك من تداعيات ودلالات سياسية خطيرة على السلام والأمن العالميين برفض قيام الدولة الفلسطينية ، وبدايات تحول في السياسة الأمريكية وإعادة تقييمها للعلاقات مع إسرائيل ، ليس لدرجة التخلي عن امن وبقاء إسرائيل، ولكن من إدراك ان هذا هو الوقت لقيام مجلس الأمن بدوره في قيام الدولة الفلسطينية ، وبالتالي وضع حد للصراع العربي الفلسطيني الذي سيكون البوابة الواسعة لمحاربة الإرهاب في المنطقة والعالم.
وفي هذا السياق يأتي التحرك الفرنسي والأوروبي عموما لإحياء دور مجلس الأمن ، ومحاولة استصدار قرار يعبر عن الإرادة الدولية وذلك على غرار قرار رقم 242 في أعقاب حرب 1967 الذي قدمته بريطانيا وقتها.
هذا هو التحرك السليم الذي ينبغي أن يتحرك فيه الفلسطينيون مدعومون بموقف عربي موحد، والإدراك مسبقا ان اي قرار دولي سيصدر من مجلس الأمن سيأخذ في الإعتبار الضرورات الأمنية لإسرائيل ، ويهوديتها. هذا هو الفارق بين الخيار الفلسطيني والخيار الأوروبي والدولي في مجلس الأمن.