لقد مر على الشعب الفلسطيني من غزوات وحروب من الشرق والغرب ما لا يعد ولا يحصى من المغول والهكسوس الى الإسكندر المقدوني والآشوريين والكلدانيين الرومان والسلاجقة والصليبيين والأتراك ومن ثم البريطانيين الذين كانت إمبراطوريتهم لا تغيب عنها الشمس وبقي الفلسطينيون في أرضهم وارض أجدادهم صامدين ، ولم يهاجروا مثلما هاجر غيرهم.
لكن جميع هذه الغزوات اندحرت امام الشعب الفلسطيني الجبار ، وفي العصر الحديث احتلنا الأتراك أربعمائة عام وصمد الشعب الفلسطيني بكل اطيافه من شباب ونساء ورجال وشيوخ في بلاده فلسطين التي هي مهد الديانات السماوية الثلاث.
وفي غفلة من زمن القهر والجوع والعذابات من المحتلين واخرهم الحكم العثماني غدر بنا الغرب برئاسة بريطانيا العظمى والتي أصبحت الان صغرى، وبالاتفاق مع فرنسا في معاهدة سايكس بيكو المشؤومة بتقسيم دول الشرق الاوسط ما بين فرنسا وبريطانيا والتي أصبحت فلسطين تحت حكم انتدابها، ومارس هذا الانتداب من قتل وشنق المجاهدين الأبطال كي يركع هذا الشعب ، ولكن هيهات وهيهات ان يركع.
واليوم ومنذ عقود يخضع الاحتلال الإسرائيلي بدعم من الغرب وامريكا ولكن هذا الاحتلال لم ولن يصمد امام شعب جذوره راسخة في ارض الرباط ، لان الفرق بين المحتل والفلسطيني أن المحتل أتى من الغرب بقوة سلاح فتاك ليس بقوة الحق والعدل ومقولة ارض الميعاد هي بدعة صهيونية لا علاقة لها بالتاريخ ، لان اليهود الذين سكنوا هذه الارض غير اليهود الصهاينة الذين أتوا من روسيا وأوروبا الذين لا علاقة لهم بهذه الارض وهي فقط كذبة استعمارية أوروبية بعيدة جدا عن يهود الشرق الذين هم فعلا من العرق السامي.
بن غوريون وغولدا مائير وبيريس ونتنياهو وليبرمان وبينت وشارون وشامير لا أصول لهم بهذه الارض بل اصولهم أوروبية أتت لبلادنا ٠٠ والآن هذه المأساة التي نعيشها هي عابرة وحتى لو بقي الاحتلال جاثما على صدورنا مائة او مائتي سنة اخرى فلن يثني هذا الشعب البطل من الصمود ودحر المحتل.
في الشتات بدأت ثورة العودة الى الوطن ، وعادت مرفوعة الرأس بقوة الشعب في الداخل وفي الخارج بعد ان صمدت في الاردن ولبنان واحتلال شارون لبيروت ولم يهزم المقاومة بل بالعكس زادت قوة شعبنا بعد ان ارتكبت اسرائيل وحلفاؤها مجزرة صبرا وشاتيلا ، وحتى النساء والأطفال لم تسلم من مجازر الصهاينة.
ومن ثم بدأت رحلة العودة للوطن من تونس التي احتضنت ابطال فلسطين.
أقول ابطال لان وحدة الخارج والداخل انتصرت على المحتل في انتفاضة الاطفال ، نقول انتفاضة الاطفال لان حجر الطفل انتصر على اعتى قوة عسكرية في المنطقة، فلا الطائرات ولا الدبابات ولا المدافع ولا الجيش الذي هزم دولاً عربية استطاع ان يهزم حجر الطفل الفلسطيني لان هذا الطفل واباه وجده وجد جده وجد جده الى ما لا نهاية ولد بهذه الارض ويتشبث بها بقوة الحق والعدل. وكان رابين ذكيا عندما قبل على مضض الاعتراف بأن هذا الشعب لا يمكن هزيمته، وقبل زعماؤنا باتفاقية اوسلو وهم رافعو الرأس ، وكان المحتل في منتهى الذكاء عندما وقع على اتفاقية اوسلو، لان رابين ادرك ان هذا الشعب مصمم على الاستشهاد مهما كلفته هذه الانتفاضة من خسائر بالأرواح وقدمت القيادة الفلسطينية فرصة ذهبية لرابين وهي السلام مقابل الارض ولكن هذا المحتل خان كل ما وقع عليه.
صحيح ان الانتفاضة الثانية كانت نتيجتها احتلال الضفة ولكن أطفال الحجارة وشباب المقاومة قدموا الشهداء بسخاء منقطع النظير وشارون دفع الى الضفة ما يقرب ٥٠٠ دبابة تكفي لاجتياح دول بحالها ولم ينتصر ويكفي ما تكبد هذا الجيش من خسائر في جميع أنحاء الضفة و جنين مثال على ذلك والنتيجة كما نراها اليوم صمودا ما بعده صمود، وقد حاول شارون ان يهزم بطل المقاومة الرئيس الرمز ياسر عرفات وحاصره في المقاطعة ولكن رئيس المقاومة هو الذي هزمه، لان هذا الزعيم خلف وراءه قيادة وشعب ظل صامداً لا يقهر.
الام التي صبرت على استشهاد طفلها حيّا فهي بطلة، الأب الذي فقد فلذة كبده في سجون الاحتلال فهو بطل، المعتقل الذي صبر اكثر من ثلاثين عاما في المعتقل لأجل ارضه فهو بطل، الانسان الفلسطيني الذي صبر على صلف المحتل واجباره على هدم بيته الذي بناه بعرق جبينه فهو بطل، الام الثكلى التي فقدت ابناءها الخمسة فهي بطلة، الزوجة التي فقدت زوجها وهو يعمل في مصانع المحتل فهي بطلة.
التاريخ شاهد على صلف المحتل الذي لم يرحم طفلا او طفلة كانا يلعبان على شاطئ غزة وقتلتهم طائرات أمريكا، وحتى الصياد الذي يركب البحار من اجل قوت أولاده لم ترحمه صواريخ المحتل. كما ان قطعان المستوطنين لم ترحم أشجار الزيتون التي ذكرها الله تعالى في جميع كتبه السماوية.
وما يميز هذا الشعب بأنه خاض ومازال يخوض معارك الحرية وسوف يستمر، كما أن المعارك التي خاضها ويخوضها ليست مقتصرة على الحجارة والتي كانت أقوى من السلاح ولكن في عزيمته وإيمانه بربه الذي أراد له أن يصبر ويقاوم المحتل بكل نواحي الحياة، وبالرغم من الاحتلال فقد نجح هذا الشعب بالعلم والتجارة والسياسة التي أجبرت العالم كله بالاعتراف به مع أن الغطرسة الأمريكية التي حاولت المستحيل بمنع العالم من الاعتراف به. وهزم أمريكا وكندا والتشيك وبعض جزر في المحيط لا يتعدى عدد سكانها من عشرين إلى مائة ألف نسمة في الأمم المتحدة ونال الشعب الفلسطيني البطل ١٣٨ صوتا وهزم المحتل.
أما في الشتات فكان الفلسطيني في قمة الصمود في كبريائه من علم وتجارة وسياسة في البلاد العربية وبلاد العالم جمعاء، نجح في البنوك والإعمار والتجارة والتعليم ومازال ينتظر العودة، ولم ينس أبناء وأحفاد بعد النكبة أن له أرضا ووطنا اغتصب منه في غفلة من زمن الخيانات الدولية التي جعلت الغرباء يحتلون أرضه. فإذا توفي الأب أو استشهد يخلف وراءه جيلا كاملا من شعب لن يهدأ إلا إذا عاد إلى أرضه وارض آبائه الذين استشهدوا لتبقى قضيته في ضمير الإنسانية التي لا يمكن ان يفهمها المحتل ، وذلك لسبب بسيط لان المحتل مازال يعتقد أن القوة والجبروت يمكن أن يهزما صاحب الإرادة الصلبة لاسترجاع وطنه والذي لا وطن له إلا فلسطين مهما كان الدعم المادي أو السلاح الأمريكي لان الشعب الفلسطيني بالمحصلة هو البطل وسيبقى البطل.