عادت تسريبات الإدارة الأمريكية لتروج مجدداً لخطة جديدة تحيي "العملية السلمية" بين الفلسطينيين والإسرائيليين . وظهرت هذه النوايا مباشرة بعد خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس في حركة يصور ظاهرها أن هناك أزمة تواصل عميقة بين اسرائيل وإدارة باراك أوباما بسبب الاتفاق المتوقع حول البرنامج النووي الإيراني .
التسريبات تؤكد أن المبادرة الجديدة ستطلق بعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها بعد أيام بقطع النظر عن الفائز فيها . ومن دون السقوط في المحاكمة المسبقة للنوايا، فإن مبادرة السلام المفترضة لن تكون أفضل من سابقاتها، بل ستكون إعادة لقاعدة "عود على بدء" التي تطبقها الإدارات الأمريكية على القضية الفلسطينية كل أربع سنوات تقريباً والنتيجة دائماً تكريس لواقع الاحتلال واستلاب مزيد من الحقوق الفلسطينية .
والدليل على ذلك، أن المسؤول الكبير في البيت الأبيض، الذي نسب إليه التسريب، أعلن جملة مفيدة في هذا السياق بتأكيده أن أوباما يعتزم استغلال الفترة المتبقية لديه في منصب الرئيس لدفع المبادرة الجديدة لإحياء عملية سلام لا توجد إلا في التصريحات الدبلوماسية . وتاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة يحتفظ بوقائع موثقة في هذا الشأن .
فقد وعد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عام 1991 بتحقيق حلم الدولة الفلسطينية حين رعى مفاوضات مدريد ولم يتحقق الحلم . والشيء نفسه قام به بعده بيل كلينتون في نهاية ولايته الثانية عام 1999 أما جورج بوش الابن فقد أطلق وعداً في ولايته الثانية بإقامة تلك الدولة، وذهب بوش الثاني مثل الآخرين تاركاً القضية الفلسطينية حتى جاء الرئيس الحالي أوباما وعين الوسيط جورج ميتشل الذي استقال بعد عامين من الجولات المتلاحقة دون أن يحقق شيئاً . وباستقالته وضعت إدارة أوباما الملف الفلسطيني على الرّف، وها هي الآن تتذكره ليختتم أوباما عهده في البيت الأبيض "متسلياً" بالقضية بعد أن انشغل في السنوات الماضية بتداعيات "الربيع العربي" وكوارثه .
القضية الفلسطينية رغم ما تتعرض إليه من تصفية وتجاهل دولي ستظل قضية إنسانية وأخلاقية ستحاكم كل المتآمرين عليها . ومن المسلم به أنها قضية شائكة ومعقدة وتحتاج جهداً كبيراً من أطراف متعددة ومتدخلين مختلفين .
أما الوساطة الأمريكية فلا مصداقية لها بعد أن ثبت فشل مساعيها المتكررة في السنوات الماضية، فالوسيط النزيه هو الذي يقف على مسافة واحدة من طرفي أي صراع، وواشنطن تأخذ مسافة من الفلسطينيين، أما عن الإسرائيليين فلا توجد مسافة بل تماه وتقاسم للأدوار، ولهذا السبب لن تستطيع الإدارات الأمريكية أن تحقق شيئاً للفلسطينيين في الوقت الراهن مثلما لن تحقق أمن اسرائيل على المدى البعيد .
وارد بقوة أن تطلق إدارة أوباما في آخر شهورها مبادرة جديدة للسلام، ولكن لا جديد يمكن أن تقدمه في هذه المرحلة عما كانت قد طرحته في السابق، إلا طلب المزيد من التنازلات الفلسطينية، ولكن الشعب الفلسطيني بمختلف قواه بات مقتنعاً أن الحديث عن المفاوضات لا يعدو استهلاكاً إعلامياً وسياسياً فحسب، فالطرف الثاني خصم لا يعترف بأي حق، وإنما يعمل على التهام كل شيء تحت ستار المفاوضات التي أثبتت سنواتها أنها ألحقت خسائر بالفلسطينيين أفدح مما ألحقته بهم سنوات الحرب والمواجهة.