النداء للإعلام
تعتزم الصين، ابتداءً من مايو المقبل، إلغاء الرسوم الجمركية على جميع واردات الدول الإفريقية، البالغ عددها 53 دولة ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، باستثناء إسواتيني التي تقيم علاقات مع تايوان، والتي تعدها بكين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها.
وفي إطار استكشاف تداعيات هذا القرار وانعكاساته على العلاقات الصينية الإفريقية، أُجريت سلسلة لقاءات مع عدد من الخبراء الصينيين للوقوف على أبعاد هذه الخطوة وتداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية.
في هذا السياق، أوضح الباحث وانج جيا شيوان من جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، أن هذه السياسة تمثل نموذجًا متقدمًا للتعاون بين دول الجنوب، في وقت تتجه فيه بعض الاقتصادات الكبرى إلى تشديد القيود التجارية، ما يسهم في زيادة حالة عدم الاستقرار في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن الصين اختارت، على النقيض، تبني نهج استباقي يقوم على فتح سوقها الواسعة أمام الدول الإفريقية الشريكة، في خطوة تعكس توجهًا أكثر انفتاحًا وشمولًا، قائمًا على تحقيق المصالح المتبادلة.
وأضاف أن هذه المقاربة تختلف جذريًا عن نماذج "المساعدات أحادية الاتجاه" التقليدية، إذ تعتمد على تمكين الدول الإفريقية اقتصاديًا عبر التجارة، بما يعزز قدرتها على استثمار مواردها وتحقيق التنمية. كما تمثل هذه السياسة تطبيقًا عمليًا لمبادرة التنمية العالمية، من خلال التأكيد على أن تقاسم منافع السوق يشكل المسار الأمثل لتحقيق التنمية المشتركة، إلى جانب تقديم نموذج قابل للتطبيق لدول الجنوب عبر خفض الحواجز التجارية وتعزيز التكامل الاقتصادي.
وأكد أن سياسة الإعفاء الجمركي مرشحة لأن تكون محفزًا قويًا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإفريقيا، لما لها من دور في تخفيف القيود على صادرات السلع الزراعية والصناعية الإفريقية، بما يدعم جهود التنمية المستدامة. كما تعكس هذه الخطوة مستوى عالٍ من الثقة السياسية والتوافق التنموي بين الجانبين، وتعزز ترابط المصالح الاقتصادية، خاصة مع تزامنها مع الذكرى السبعين لانطلاق العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول الإفريقية في عام 2026، ما يمنحها بعدًا استراتيجيًا إضافيًا نحو بناء مجتمع صيني إفريقي ذي مصير مشترك.
من جانبه، أكد الباحث سون ده قانج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان، أن هذه السياسة تأتي في سياق دولي معقد، حيث أسهمت الصراعات الممتدة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في إبطاء مسار التعافي الاقتصادي العالمي.
وأوضح أن إفريقيا، باعتبارها أحد أبرز مكونات الجنوب العالمي وأكثر المناطق كثافة بالدول النامية، تأثرت بشكل ملحوظ بهذه التحديات، ما يجعل من السياسات الداعمة للتنمية، وعلى رأسها الإعفاء الجمركي، أداة فعالة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وأضاف أن الصين، التي حافظت على مكانتها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا لأكثر من 16 عامًا، تؤدي دورًا محوريًا في دعم النمو الاقتصادي في القارة، من خلال سياسات اقتصادية منفتحة تتباين مع توجهات بعض القوى الغربية التي تميل إلى فرض قيود تجارية.
وأشار إلى أن إلغاء الرسوم الجمركية يسهم في تقليص اختلال الميزان التجاري بين الجانبين، ويفتح السوق الصينية على نحو أوسع أمام المنتجات الإفريقية، بما يعزز علاقات الاعتماد المتبادل اقتصاديًا وسياسيًا.
بدوره، أكد وانج جوانجدا، الأمين العام لمركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية، أن الصين لا تسعى إلى توسيع نفوذها وفق المفهوم التقليدي، بل تعتمد نموذج شراكة قائم على المساواة والمنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة، معتبرًا أن سياسة الإعفاء الجمركي تعكس البعد الإنساني في الدبلوماسية الصينية، ضمن توجه أوسع لتعزيز الانفتاح المؤسسي.
وأضاف أن هذه السياسة توفر إطارًا مستقرًا وطويل الأمد للتعاون مع إفريقيا، في وقت يشهد فيه العالم تصاعد النزعات الأحادية والحمائية، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. كما تسهم في دفع مسار الانفتاح العالمي من خلال تعميق الانفتاح الداخلي للصين، وتعزيز بيئة التجارة والاستثمار، وبناء مزايا تنافسية جديدة تدعم العولمة الاقتصادية الشاملة والمتوازنة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار إلى أن هذه السياسة تضخ زخمًا جديدًا في العلاقات الصينية الإفريقية، إذ تحقق قيمة متبادلة رغم كونها امتيازًا أحادي الجانب. فقد حافظت الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا لمدة 17 عامًا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 646.56 مليار يوان (قرابة 90 مليار دولار أمريكي)، بزيادة سنوية بلغت 23.7%. كما ارتفعت واردات الصين من إفريقيا بنسبة 14.6%، وصادراتها بنسبة 29%، في حين سجلت الاستثمارات المباشرة الجديدة نموًا بنسبة 44% خلال أول شهرين من العام.