الحديث عن مهنة الأنفاق في قطاع غزة لابد ان يقودنا الى الحديث عن بدايات وأسباب هذه المهنة الخطرة او كما يسمونها مهنة الموت، لأنها مهنة تحت الارض بدون اجراءات سلامة او عقود عمل، وهي نوعان النوع الاول هو الانفاق بين مدينة رفح في قطاع غزة ومصر والثاني بين قطاع غزة واسرائيل، ولكل نوع من النوعين اهدافه وغاياته.
فقد بدأ العمل في النوع الاول من الانفاق اي الانفاق بين القطاع ومصر، بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين النظام المصري في ذلك الوقت واسرائيل عام ١٩٧٩م، حيث تم من خلال هذه الاتفاقية تقسيم رفح الى قسمين احداهما في قطاع غزة والاخرى في المنطقة التي اعادتها اسرائيل لمصر بموجب هذه الاتفاقات.
وهذه الاتفاقات قسمت الفلسطينيين الى قسمين قسم اصبح تحت السيادة المصرية والاخر بقي تحت الاحتلال الاسرائيلي، ونظراً لاواصر القرابة بين سكان الموقعين، ونظراً لان اسرائيل قامت بوضع المعابر ورسمت الحدود وبالتالي منعت التواصل مع الاقرباء في الموقعين. وللتغلب على هذه الاجراءات الاسرائيلية، فكر اهالي غزة وخاصة اهالي رفح الفلسطينية بطريقة للتواصل مع الاهل، ووجدوا في الانفاق غايتهم، حيث بدأوا بحفر هذه الانفاق ولكن ليس بصورة مكشوفة، بل من داخل المنازل الغربية من الحدود.
واستمر العمل بهذه الانفاق من داخل المنازل عدة سنوات حتى عام ١٩٩٣م، عندما اكتشفت سلطات الاحتلال الاسرائيلي اول نفق تحت الارض، حيث قامت بتدمير المنازل المحاذية للحدود واقامت منطقة عازلة بعرض حوالي ٢٠٠م، كما وضعت مراقبة عسكرية مشددة على الحدود.
ويمكننا القول ان العمل في هذه الانفاق توقف، جراء الاجراءات الاسرائيلية، الا ان العمل بها وعلى الجانبين اي الجانب المصري والاسرائيلي استؤنف في اعقاب انتفاضة الاقصى عام ٢٠٠٠م. حيث قامت اسرائيل بفرض حصار على قطاع غزة ودمرت المطار والميناء، ظناً منها بأن المعابر بين رفح ومصر كانت تستخدم ايضاً لتهريب السلاح لحركات وفصائل المقاومة الفلسطينية.
كما قامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بإغلاق معبر رفح، الامر الذي ادى الى ارتفاع نسبة الفقر في قطاع غزة وكذلك البطالة عقب اغلاق معبر ايرز امام عمال القطاع الذين كانوا يعملون في اسرائيل، وكذلك اغلقت معابر البضائع، ومنعت منتجات القطاع من الوصول للضفة او الخروج لدول الجوار.
وامام الحاجة والعوز اعيد فتح الانفاق وتم فتح انفاق اخرى بين قطاع غزة ومصر لتهريب البضائع والمواد الاستهلاكية، لمخرج ولو جزئي من الحصار الذي فرضه الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة براً وبحراً وجواً، رغم المخاطر المحيطة بهذا العمل الخالي من اجراءات السلامة والذي ادى في احيان كثيرة الى وفاة العشرات بل اكثر من ٢٥٠ مواطناً جراء اما انهيار اجزاء من هذه الانفاق جراء التربة الرملية، او نتيجة القصف الجوي الاسرائيلي لهذه الانفاق او بسبب تماس كهربائي او الاختناق بسبب نقص الاوكسجين.
ورغم هذه المخاطر، الا ان الحاجة والبطالة خاصة بين صفوف العمال وطلبة الجامعات، جعلت الكثير منهم يذهب للعمل في هذه الانفاق لإعالة اسرهم والتغلب على الحصار، فهم لم يجدوا فرصتهم للعمل فوق الارض فعملوا تحتها في ظروف الموت المحقق او حدوث عاهة مستديمة للبعض الاخر.
والى جانب ان الهدف من هذه الانفاق هو التغلب الجزئي على الحصار، وتهريب البضائع التي منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلي وصولها للقطاع، اعتقدت اسرائيل، بأن العديد من هذه الانفاق يستخدم لتهريب الاسلحة والمتفجرات، كما ان بعضها الاخر يستخدم لخروج المواطنين ودخولهم لقطاع غزة، خاصة المضطرين لذلك، ومن هنا قامت بتدميرها بالقصف الجوي والمدفعي ووضعت جداراً بطول ٨ امتار على طول الحدود، الا ان ذلك لم يقض على ظاهرة الانفاق نهائياً بل يمكن القول انه تم تدمير الجزء الاكبر منها.
وفي المقابل بدأت الفصائل المقاتلة وفي مقدمتها حركة حماس، بحفر الانفاق من قطاع غزة نحو مراكز قوات الاحتلال الاسرائيلي وتفخيخ هذه الانفاق وتفجيرها في ابراج القوات الاسرائيلية ومراكز تجمعاته والمعابر، حيث تم نجاح بعض العمليات من خلال هذه الانفاق واخفاق البعض الاخر حيث تم اكتشاف بعضها من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي وتفجيرها.
وفي اعقاب انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي من قطاع غزة عام ٢٠٠٥م بسبب الخسائر التي لحقت بقواتها جراء عمليات المقاومة ضد هذه القوات والمستوطنين تم تشديد الحصار على القطاع، في حين استمر العمل في الانفاق سواء على الجانب المصري او على الشريط الحدودي مع اسرائيل، حيث عملت فصائل المقاومة على تخزين السلاح والمتفجرات في هذه الانفاق كما قامت بمدها لتصل الى داخل ما يسمى بغلاف غزة او مستوطنات غلاف غزة، استعدادا للمواجهة مع قوات الاحتلال الاسرائيلي التي تفرض الحصار على القطاع.
وعقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام ٢٠٠٧م بعد مواجهات دامية مع حركة فتح، شددت اسرائيل من حصارها على القطاع، وعمدت ايضا الى قصف الانفاق في رفح والمؤدية الي مصر لمنع حركات المقاومة من تهريب السلاح والمتفجرات، وزيادة استعداداتها العسكرية.
وفي ضوء هذا الحصار المشدد ونظرا لوصول البطالة في القطاع الى ما نسبته ٤٦٪ وهي من اعلى النسب في العالم، نشط العمل في الانفاق رغم مخاطرها والموت شبه المحقق جراء العمل فيها، خاصة وانه تم تعميقها لتصل الى اكثر من ٢٠٠ متر تحت الارض دون اية ضمانات او اجراءات سلامة كما ذكرنا سابقا.
كما ان اغلاق معبر رفح الحدودي وعدم فتحه الا لعدة ايام في السنة، انطلاقا من محاولات مصر الحفاظ على امنها القومي في ضوء العمليات التي استهدفت قواتها في سيناء من قبل الجماعات التكفيرية، ادى الى تفاقم الاوضاع الانسانية والمعيشية في قطاع غزة، كما ادت الاعتداءات الاسرائيلية على القطاع حيث شنت اسرائيل ٣ حروب عدوانية على القطاع منذ عام ٢٠٠٦م وحتى الآن، الى زيادة العوز والحاجة خاصة مع تزايد عدد السكان في القطاع.
ولجأت مصر في الاونة الاخيرة الى قبل حوالي السنتين هي الاخرى الى تدمير الانفاق من خلال ضخ مياه فيها، مما ادى الى انهيار الكثير منها، واسفر ايضا عن وفاة عدد من المواطنين بسبب انهيار هذه الانفاق وهم يعملون بداخلها لسد احتياجات اسرهم، حيث ان اجرة العمل في هذه الانفاق رغم تدنيها الا انها تسد بعض الاحتياجات الاسرية، خاصة الاحتياجات الاساسية.
وكما اسلفنا فإن مصر تقول ان تدميرها للانفاق نابع من حرصها على امنها القومي، خشية استخدامها من قبل الجماعات التكفيرية التي تعمل ضد القوات المصرية في سيناء.
وحسب التقارير الدولية فان استخدام مصر لضح المياه في الانفاق ادى الى تدمير حوالي ٨٠٪ منها، خاصة التي تم توسيعها بحث تم من خلالها تهريب ليس فقط البضائع بل ايضا السيارات ومواد البناء وما الى ذلك من المواد التي منعت وتمنع اسرائيل ادخالها للقطاع الا ما ندر.
وفي الفترة الممتدة ما بين ٢٠١١و ٢٠١٣، استطاعت فصائل المقاومة ادخال بعض احتياجاتها القتالية، استعدادا لمواجهة قوات الاحتلال الاسرائيلي التي تتحين الفرص لتوجيه ضربات لهذه الفصائل والحركات، الا انه في الآونة الاخيرة وحسب تقارير دولية تم هجر العديد من الانفاق خاصة في فصل الشتاء حيث ادت الامطار الغزيرة الى هدم الكثير منها.
وهناك مخاوف حقيقية من ان ضخ الجانب المصري لمياه البحر لتدمير الانفاق قد يؤثر على المياه الجوفية لقطاع غزة خاصة وان مياه البحر مالحة مما يؤثر على هذه المياه وكذلك على التربة، الى جانب انهيار بعض المنازل جراء كميات المياه التي يتم ضخها تحت منازلهم حيث تقع الانفاق.
اما على الجانب الآخر او النوع الثاني من الانفاق اي الانفاق التي يتم حفرها على طول الشريط الحدودي مع اسرائيل، ومن اسفل المنطقة العازلة التي فرضتها اسرائيل، فهي قائمة وفقا للتقارير الاسرائيلية التي تقول ان فصائل المقاومة وتحديدا حركتي حماس والجهاد الاسلامي قامتا بترميم الانفاق التي تم تدميرها في العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، كما تم حفر انفاق اخرى لدرجة ان مستوطني مستوطنات غلاف غزة باتوا يشعرون بأن هناك حفريات تحت منازلهم الامر الذي اثار ويثير الذعر بين صفوفهم.
وفي هذا السياق تعمل اسرائيل والولايات المتحدة على ما يسمونه «قبة حديدية» تحت الارض لتدمير هذه الانفاق وقد رصد لها الجانبان ٤ ملايين دولار، لهذه الغاية واعلن مسؤول عسكري اسرائيلي كبير، بأنه تم انجازها وهي في مرحلة التجربة الان.
وفي ضوء ذلك فقد حذر البنك الدولي في تقرير له من اندلاع نزاعات جديدة في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن، في وقت دعا فيه اسرائيل ومصر الى رفع الحصار عن قطاع غزة.
واوضح ان المساعدة الدولية الموعودة لاعادة اعمار قطاع غزة بعد الدمار الذي لحق به جراء العدوان الاسرائيلي الاخير عليه والذي مضى عليه اكثر من عام ونصف، لم تصل منها الا ٣٥٪ حتى اليوم، الامر الذي ابقى العديد من الاسر بدون مأوى وزيادة الفقر في اوساط ابناء القطاع وكذلك وبنسبة اقل في الضفة الغربية، انه في ضوء هذه المعطيات ، وفي ضوء تدمير مصر حوالي ٨٠٪ من الانفاق الممتدة داخل حدودها مما ادى الى تقليص عدد الوفيات جراء هذا التدمير، الا ان الوضع ازداد سوءا بسبب استمرار الحصار الاسرائيلي من جانب واستمرار اغلاق معبر رفح من جانب اخر، الامر الذي في حالة استمراره سيفجر الاوضاع من جديد اذا لم يتم تدارك الامور من خلال تخفيف هذا الحصار وفتح معبر رفح بصورة دائمة والذي يعتبر المنفذ الوحيد لاهالي القطاع على مصر ومن ثم على العالم.
فلا مفر امام مصر واسرائيل سوى فتح المعابر التجارية وتنقل مواطني القطاع، فالعقوبات الجماعية التي تفرضها اسرائيل على القطاع هي عقوبات مخالفة للقوانين والاعراف الدولية، ونحن مع الحفاظ على الامن القومي المصري، وكذلك مع فتح معبر رفح البري وفق ضمانات امنية وتحت اشراف السلطة الوطنية الفلسطينية لمنع الانفجار الذي ينذر بعواقب وخيمة.
وعلى حركتي فتح وحماس الاتفاق حول ادارة هذا المعبر خاصة وأن مصر تشترط لإعادة فتحه بصورة دائمة التعامل مع جهة فلسطينية رسمية واحدة، فاتفاق الحركتين ضروري للتسهيل على مواطني القطاع والتخفيف من وطأة الحصار المدمر.
| 05:27 AM | مدبولي: التعليم سلاح مصر للنجاح.. وتراجع مؤشرات صعوبات التعلم وتحسن الحضور المدرسي |
| 05:26 AM | بين دبلوماسية الحذر والبساط الأحمر للرفيق.. كيف استقبلت بكين ترامب وبوتين؟ |
| 05:21 AM | وزراء خارجية مصر والسعودية وقطر يؤكدون أهمية الدبلوماسية لخفض التصعيد في المنطقة |
| 16:10 PM | روسيا والصين توقعان نحو 40 وثيقة تعاون خلال زيارة بوتين إلى بكين |
| 02:12 AM | لولا دا سيلفا: ترامب يعلم موقفي الرافض للحرب والإبادة الجماعية في فلسطين |
| 02:10 AM | رئيس تايوان: لن نتخلى عن سيادتنا الوطنية تحت أي ضغوط |
| 02:08 AM | مصر والإمارات تبحثان جهود خفض التصعيد الإقليمي وتعزيز الأمن المشترك |
| 02:06 AM | جيش الاحتلال يعلن إصابة 105 جنود في مواجهات جنوب لبنان خلال أسبوع |
| 23:37 PM | وزراء الخارجية العرب يدينون اقتحام بن جفير للمسجد الأقصى في ذكرى النكبة |
| 16:00 PM | توافق مصري هندي على خارطة طريق لزيادة التبادل التجاري وتوطين الصناعة |
| 15:57 PM | ترامب: لا يمانع تعليق البرنامج النووي الإيراني 20 عامًا بشروط التزام صارم |
| 14:37 PM | الرئيس المصري يصل عنتيبي لبحث العلاقات الثنائية مع أوغندا |
| 14:35 PM | الرئيس الأمريكي يصل بكين وسط ترقب عالمي للقمة مع شي جين بينج |
| 14:32 PM | بكين: مستعدون لتوسيع التعاون مع أمريكا ومعالجة الخلافات |
| 10:25 AM | البحرين تتهم الحرس الثوري الإيراني وحزب الله بتهديد أمن الخليج |