لا يكاد يمر يوم دون ان يسقط الشهداء من ابنائنا وبناتنا وهم في اول العمر وحب كل ما يتعلق بالحياة سواء من حيث الملابس والجلسات او قصات شعر الرأس والضحكات الجميلة المتفائلة والعلاقات الثنائية الاخوية، كما نرى في صورهم بعد استشهادهم.
وهؤلاء الشبان يدركون تماماً انهم ذاهبون الى الموت ولهذا يكتبون وصاياهم قبل الخروج...وهم يكتبون بخط بسيط وعلى اوراق عادية مدرسية ويسجلون مواقف انسانية في قمة الروعة كطلب السماح من اهاليهم لما يسببونه لهم من حزن، او تسديد ديون بسيطة عليهم لا تتجاوز عدة شواكل.
دوافع هؤلاء الشباب واضحة تماماً، وهي رفض ممارسات الاحتلال واستهتاره بكل الحقوق الوطنية ضد الارض والانسان والحاضر والمستقبل...وقد انغلقت الآفاق امامهم ولم يعد المستقبل منظوراً او قريباً ولم يعد للتفاؤل مكان وصار الاحباط سيد الموقف.
هكذا نعيش منذ عدة اشهر وهكذا، كما يبدو، سنظل نعيش في المرحلة المقبلة، وهم في اسرائيل لا يستجيبون لنداءات العقل والمنطق والسلام والاستقرار، وانما يعملون العكس تماماً وفي كل المجالات وكل الاوقات. انهم يزدادون تطرفاً وعدوانية ويواصلون سياسات الاستيطان والتهجير ومصادرة الارض والتضييق على الناس ورفض اية محاولات او مساع لتحقيق السلام المقبول حتى لا نقول العادل، وقد اعمت انظارهم وافكارهم غطرسة القوة وهيمنة النفوذ الدولي الواسع. يزيدون الاستيطان بدل وقفه. ويمضون بتهويد القدس والمساعي لاقامة الهيكل الذي يتحدثون عنه ويضعون الخطط في سبيل ذلك، ويواصلون مصادرة الارض بآلاف الدونمات اسبوعياً تقريباً.
والاسوأ في هذا السياق ان علاقاتهم مع بعض الدول العربية تتحسن وتتعمق ويزداد التعاون والتنسيق بل ان بعض الشخصيات العربية تذهب ابعد من ذلك وتقول اننا، الفلسطينيين، المخطئون وانهم، الاسرائيليين، اصحاب الحق في هذه الارض. وهذا يزيد دائرة الاحباط لدى شبابنا وشاباتنا...وتتواصل حملات او عمليات الاحتجاج بأشكالها المختلفة..كما تزداد بشاعة ردود الفعل الاسرائيلية على هذه العمليات حتى وصلت الى حد الاعدام مع سبق الاصرار كما رأينا في جريمة قتل الشاب عبد الفتاح الشريف واطلاق الرصاص عليه وهو جريح ممدد على الارض ولا يقوى على الحركة وما سبق ذلك من اعدام ميداني لعدد من الاطفال والشبان. كما ازدادت اعمال الجرائم ضد المواطنين كما رأينا بإحراق عائلة دوابشة ثم احراق منزل عائلة الشاهد الوحيد على الجريمة وكما رأينا في السابق عملية خطف وحرق الفتى محمد ابو خضير. وفي حين تجري «التحقيقات» البطيئة والطويلة» في مثل هذه الجرائم، نراهم يسارعون الى هدم المنازل وتهجير العائلات والغرامات والابعاد ضد ابناء شعبنا.
والغريب جداً في هذه الاوضاع اننا نرى فيها اندفاع الشباب واستعداده للتضحية بالنفس بلا تردد او خوف، من جهة، وتقاعس القيادات بكل ألوانها واطيافها ومواقعها ومستوياتها عن مواجهة هذه الاوضاع، من جهة اخرى. الشباب يتقدمون والقياديون يتفرجون ودماء ابنائنا من الشباب والشابات تملأ الساحات، ولا يملك القادة سوى البيانات وترديد الشعارات او الصمت المخجل في حالات كثيرة.
صار الانفصال واسعاً بين الجانبين وهذا امر لا يجوز، ولا يمكن القبول به او السكوت عليه. واذا لم يكن تحرك قيادات الصف الاول ممكناً فلا بد من تحرك الجيل الثاني والثالث من هذه القيادات او غيرها حتى لا يظل الشباب وحدهم بالميدان وتظل هذه الانتفاضة مجرد انتفاضة افراد، كما يحاول البعض ان يصفها.
اننا نقدر دوافع وحماسة وعظمة اعمال هؤلاء الشباب ولكن نرى ايضا ان دماءهم ليست رخيصة بل هي غالية جدا على كل ابناء شعبنا وليس على اهاليهم واصدقائهم فقط.. ولقد مر من الوقت ما يكفي لاعادة تقييم الوضع واتخاذ الخطوات اللازمة وهي مسؤولية الكل الوطني رئاسة وحكومة وفصائل ومنظمة التحرير.. وان لم يحصل ذلك فان الانتفاضة قد ترتد الى كل المتقاعسين والذين يكتفون بدور المتفرجين اذ لا يعقل تواصل ازهاق ارواح ابنائنا الشباب على هذا النحو.