الفوضى ليست ثقافة، كما يزعم البعض، ولا يعني تجذرها في المجتمع، أنها منهاج عرفي، ساري المفعول، الى يوم يبعثون.. الشعوب الفوضوية، مرهقة وتعيسة من التخلف ومضاعفاته، أمامها مستقبل مخيف، مرعب، يرسم ملامحه الحاضر البائس، مهددة بالمجاعات، والنزاعات الدموية، وحروب الإبادة الأهلية، هَم حكامها، البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة، ومهما بلغ إرتفاع تلال جماجم الضحايا، ومهما تعاظمت الكوارث، ومهما استنزفت ثرواتها، ومهما تكدست الأسلحة لدى المستولين على السلطة من العسكر و«المتمردين» عليهم...!
ومن خلال ما تسميه بعض الاحزاب الحاكمة بـ «الفوضى الخلاقة» تقوم بقهر الأحرار الشرفاء، بوضعهم وراء القضبان، لتفادي خطر نشر الأمانة والنزاهة والعدل والإيمان، وهي بنظرها أخطر أعداء النظام، لضمان بقائها أطول زمان.. ولا يتعظ زعيم الحزب او الحاكم، بالحديد والنار، بما جرى لسابقيه من كوارث وأهوال ...!
وبهذه «الفوضى الخلاقة».. تعيث الاحزاب الحاكمة وزعماؤها الفساد والإفساد، ويبدوون الثروات، ويشطبون مستقبل الأجيال.. ولا يهمهم ضياع شعوبهم في المتاهات والسراب.. والمهم تهريب المليار وراء المليار.. وحرمان الشعوب من ثرواتها..!
«بالفوضى الخلاقة» يعين الزعيم الأوحد، الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب.. ولا مكان للشرفاء، الأمناء، في صفوفه... وإلا اختل ميزان الفساد...! و«بالفوضى الخلاقة»... يشترون الذمم وضعاف ومرضى الأنفس بالأموال، وتجارة النخاسة، رائجة هذه الأيام... ولا يريدون مزاحما أو منافسا أو شريكا في صنع القرار... ويصممون على ادارة السفينة، حتى لو أغرقتها العواصف في أعالي البحار...!
ويصممون على التمسك بمغرفة الأموال، فمن يدفع، يأمر وينفذ ما يريد في الحال..!
... مهما أخطأوا، ومهما جلبوا من كوارث للوطن والعباد.. ومهما تعاظم لديهم الفساد، والإفساد والانحلال، ومهما تسببوا في إفلاس البلاد والناس، ومهما تصاعد القمع وازداد عدد الضحايا الأبرياء، ومهما تعالى الصراخ، هم أحكم الساسة، وأصلح القادة، وأنقى الأمناء.. وأنقى الأتقياء...!
هم يحرصون على إبقاء الضعفاء، في حالة هزال على الدوام.. منتهجين سياسة هبنقة، أحمق العرب، الذي كان يرعى الأغنام، فيرسل سمانها الى الربيع والخضرة، وضعافها إلى الأشواك والعشب الجاف، فلما سئل أجاب: «لا أفسد ما أصلحه الله، ولا أصلح ما أفسده»!
.. هم متحالفون مع رجال الأعمال، يشاركون في المشاريع التي تدر الأموال، وجعلوا من السياسة، والتشدق بالوطنية خير استثمار، فالتجارة شطارة تمكنهم من اللعب على الحبال...!
هم يسهلون الثراء، لكل فاسد وقح يسمونه «مغوار». ويدعون محاربة الفساد في كل مجال، واذا سألت عن الأمانة والنزاهة والشفافية، «شخروا»، وقالوا أضغاث أحلام، وإذا سألت ماذا حصل لمن نهب الأموال، فالجواب أقام مشاريع استثمار، في أحد الأقطار، وصار يشار إليه بالبنان، فقد قام بتشغيل آلاف العمال، وأنعش الإقتصاد، فأهلا به ضيفا معززا مكرما، فرض احترامه بالأموال حتى لو كانت «حراما في حرام».
بالفوضى والوساطة والمحسوبية وإساءة استخدام السلطة والنفوذ، يجري منح العطايا والأموال لدى الكثير من الحكام، وعلى طريقة «سلاطين زمان» يا غلام.. أعطه مائة ألف دينار.. ويتم تكريم كل موال، يبصم في الحال، ويمجد مولانا السلطان، ويشيد ببطولاته وفتوحاته، ويجيد صنعة النفاق...!
بالفوضى.. يضيع مستقبل الأجيال، وتنعدم الحرية، وتداس كرامة الانسان بالنعال.. ويتلاشى حلم الاستقرار...!
بالفوضى.. الحاكم متسلط، يتصرف كجبار، متناسيا وجود جنة ونار.. يناصر الأقوياء، يحمل على الضعفاء، يحتقر الفقراء، يحترم الأثرياء يفسر ويسن القوانين كما يشاء، ليضمن البقاء، متحكما برقاب العباد...! يتشدق، ويدعي حرصه على نشر الازدهار والرخاء... بينما يتضور الفقراء جوعًا، ويتخم الأثرياء وتتكاثر القطط السمان...!!