لعل أكبر إنجاز قد حققه الشعب الفلسطيني أنه حافظ على هويته الوطنية ، وفي إنتزاع أممي بأنه شعب مثل بقية شعوب كل الدول من حقه تقرير مصيره، ومقابل هذا النجاح فشل إسرائيلي في تجاهل وجود هذا الشعب الذي حاولت التعامل معه على انه مجرد مجموعات بشرية عابرة أو ساكنة هذه الأرض.
هذه المقدمة الموجزة والملخصة لكل التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني هي التي تحدد وتقرر خياراته. بداية هذا الشعب هو الوحيد في العالم الذي يعاني من الإحتلال الإسرائيلي ، وطالما ان العالم إعترف به شعبا، فهذه الصفة لا تكتمل إلا بقيام الدولة التي من خلالها يمارس حقوقه المعترف بها دوليا. وهو ما يعني وهذا ما ينبغي ان تدركه إسرائيل قبل فوات الاوان ان الإحتلال سينتهى حتما بكل الخيارات التي يملكها الشعب الشعب الفلسطيني ، وبالمسؤولية الدولية ، قانون التحرر الوطني في التاريخ العالمي لا إحتلال دائم، ولا شعب بدون دولة .
قد تكون إسرائيل نجحت في إستمرار إحتلالها ،لكن الإرهاصات والتطورات المعاصرة تكشف ان بدايات إنهاء هذا الإحتلال قد بدأ، بالضغط الدولي ، والعزلة الدولية ، والمقاطعة ، وإن كانت هذه الخطوات متواضعة لكنها مهمة ، وستزداد مع إعادة حكومة نتانياهو مرة ثانية وتصريحاته العدائية والعنصرية والتي حملت كراهية ضد كل ما هو عربي وفلسطيني ، ورفضه المطلق لقيام الدولة الفلسطينية التي إعترفت بها الأمم المتحدة وبرلمانات العديد من الدول ، وهذا التوجه سيزداد ضد سياسات نتانياهو مما قد يحول في النهاية إسرائيل إلى دولة غير مقبولة على غرار دولة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا والتي رضخت لحقائق المعطيات البشرية والجغرافية ، ولتنتهي بدولة لكل مواطنيها. هذا النهج وهذا الخيار مهم جدا للفلسطينيين في هذه المرحلة ، المضي قدما في خيار عزلة إسرائيل ، وكشف الوجه العنصري التمييزي لها ، وتصويرها انها دولة تمارس كل اشكال التمييز العنصري ،. هذا هو الخيار الذي ينبغي ان يبني الفلسطينيون إستراتيجيتهم العامة في المرحلة القادمة عليه إلا أن هذا الخيار يحتاج إلى قاعدة سياسية داخلية صلبة أساسها إنهاء الإنقسام السياسي ، وإعادة بناء المنظومة السياسية كلها على أسس جديدة من الشرعية الإنتخابية ،وإن لم يمكن بالشرعية التوافقية ، وبالتوافق حول ماهية الخيارات الفلسطينية ، وبتفعيل كل أشكال المقاومة السلمية المدنية بكل مستوياتها الداخلية والدولية ، وبتفعيل ديبلوماسية القانون الدولي الإنساني وكل ما يرتبط به من إتفاقات دولية.
وتأتي هذه الإستراتيجية والتأكيد عليها بعد الإنتخابات الإسرائيلية التي عاد معها نتانياهو للحكم والتي ضاع معها خيار حل الدولتين، وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي نفسه، ومما يؤكد لنا حتمية هذا الخيار ان كل حكومات إسرائيل رفضت التخلي عن الضفة الغربية وهي أساس قلب الدولة الفلسطينية ، وهو ما يفسر لنا لماذا قامت إسرائيل بالإنسحاب الأحادي من غزة ، حتى تخلق وتعمق حالة الإنقسام الفلسطيني وهذا أحد أهم الإستراتيجيات التي توظفها لإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية ولكن بخيارات وأدوات فلسطينية.
وما تؤكده مفاوضات إستمرت لأكثر من خمسة عشر عاما دون أن تفضي بقيام الدولة الفلسطينية ، علما ان الهدف من اي مفاوضات هو هذه الدولة .
وقد يبدو ان الفلسطينيين قد تأخروا كثيرا في بلورة إستراتيجية واحدة ، وهنا لا بد من التذكير ببعض الملاحظات الأولى ان بناء إستراتيجية واحدة يخرج عن نطاق التصور الفردي أو حتى التصور التظيمي ، فهي مسؤولية جماعية تشارك فيها كل عناصر الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، والملاحظة الثانية انه لا يبدو في الأفق القريب حلا سحريا أو سريعا لقيام الدولة الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي ، بل إن هذا الخيار خيار تدويل القضية الفلسطينية يحتاج إلى وقت ليس قصيرا ، وهو ما يستلزم معه تفعيل كل الخيارات الفلسطينية الداخلية من مقاومة مدنية ومقاومة القوة المشروعة ، والمصالحة.
وعلى الرغم من صعوبة خيار الدولة الواحدة في ظل المعطيات السياسية السائدة ، وصعوبة خيار حل الدولتين يبقى المطلب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي هو الهدف الرئيس للفلسطينيين في هذه المرحلة ، وهو الذي ينبغي أن يحشدوا كل خياراتهم المتاحة والممكنة لديهم.اي خيارات وبدائل الأساس فيها الإحتياجات الأساسية التي يحتاجها الشعب الفلسطيني ، وتستند على أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، وتحقق التأييد الدولي ، وعليه التركيز على الإحتلال وسياساته هو أفضل الخيارات الفلسطينية ،مصحوبا برؤية سياسية وتحرك ديبلوماسي فلسطيني وعربي ، وببنية سياسية داخلية قوية .