استبق رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو تشكيل حكومته بالافراج عن اموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، في رسالة تعبر أفضل تعبير عن حقيقة سياسته المنتظرة والقائمة على ما يسميه بالسلام الاقتصادي.
تلك الحكومة التي اسفرت ولادتها المتعسرة عن تطرف لافت، نتيجة لتزاوج عتاة اليمين والتيارات الدينية المحافظة، وهي نتيجة بقدر ما طوحت بأحلام اليقظة للبعض الذي مضى في الرهان على فوز ما سمي باليسار الصهيوني التوأم السيامي لليمين الليكودي، فهي كشفت ايضاً عن حقيقة الانزياح المتواصل نحو أقصى اليمين في مجتمع الاحتلال والاستيطان والتطرف، وعن عمق المأزق الفلسطيني السياسي التفاوضي واستفحال ازمة خيار واستراتيجية اوسلو.
لقد أكدت الخطوط العريضة لهذه الحكومة التوقعات المبكرة، بأن يستغل بنيامين نتنياهو التقدم الذي شهدته المفاوضات بخصوص الملف النووي الايراني، للذهاب الى ما يشبه السياسة الاستباقية التي تتذرع بتغير الظروف وتفاقم ما يسميه بالمخاطر الامنية والارهاب الاسلامي المتطرف، للتراجع حتى عن مزاعم سابقة في خطابه عام 2009 في جامعة "بار ايلان" حول اقامة دولة فلسطينية مشروطة، رغم المطالب والدبلوماسية الدولية الداعية للحفاظ على أنشودة "حل الدولتين" الخادع واستراتيجية ادارة الصراع طويلة المدى.
لا جديد تحت الشمس ما قبل انتخابات الكنيست وما بعدها، فما يسمى بأمن اسرائيل والدولة الفلسطينية المستقلة أمران متناقضان جوهريا وخطان متوازيان لا يلتقيان ابداً، هذا ما يريد قوله لنا نتنياهو، فضلا عن ما قالته رسائله التي أعقبت خطابه في الكونغرس المتعالي على الرئيس الامريكي باراك اوباما في نهاية ولايته الثانية والاخيرة، بأن "الدولة اليهودية" ليست دولة اجنبية فيما يتصل بعلاقتها مع الولايات المتحدة، بل الحليف الافضل والأشبه بولاية امريكية منقسمة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، تماما كما ينقسم اعضاء الكونغرس الامريكي بين حزبي العمل الليبرالي والليكود المحافظ.
وهي حقيقة يجب ان تكبح جماح المراهنين على الاختلاف فيما بين نتنياهو
والرئيس اوباما، حول أفضلية تصفية الدولة الايرانية اولاً أم مشروعها النووي، وتلقي الضوء على ثوابت الدعم الامريكي المطلق والمستدام لإسرائيل وأمنها وتفوقها العسكري النوعي وعلى "مكارثية" نتنياهو الزاحفة وشبح التطرف الذي يحوم فوق رؤوسنا.
كما توضح ماهية حكومة نتنياهو الجديدة المتمسك بترسيخ الاحتلال وإشاعة الاستيطان واستقدام آلاف المستوطنين الجدد والتهجير في كل فلسطين التاريخية وبخاصة في القدس والاغوار والجليل والنقب، والمتذاكي على القادة العرب بزعمه "ان المصالح المشتركة لاسرائيل والدول العربية امام ايران تخلق فرصة لدفع تحالفات وربما لتحقيق السلام"، سعيداً بالقمة العربية الحوْلاء التي تبنت "التحالف العربي" العسكري في اليمن، الذي بات يرى كثير المراقبين فيه، انزلاقا ينطوي على المزيد من انقسام وتفتيت البلدان العربية، وإجهاضا مسبقا للدور المصري والامن القومي العربي المأمول.
حكومة ستمضي في مناوراتها بدعوة السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات المباشرة، وبتحميل الفلسطينيين مسؤولية غياب عنوان واحد للتفاوض معه، وفي استبدالها لمعادلة مؤتمر مدريد الافتراضية - الارض مقابل السلام، بمعادلة - أموال الضرائب مقابل الامن في الضفة الغربية وتخفيف الحصار مقابل الامن في غزة، لتلوح من جديد دوامة مفاوضات مسقوفة بسلام نتنياهو الاقتصادي والامني وبدولة الحكم الاداري الذاتي السكاني في قطاع غزة ومعازل الضفة الغربية.
فيما يتسابق كثير من المسؤولين الفلسطينيين في تحديد ما ينبغي على غيرهم ولا ينبغي ان يقوموا به رداً على نتائج انتخابات الكنيست وحكومتها الاستيطانية ويكتفون بوصف الواقع بدلا من تغييره، حريٌّ بنا التحرك اولاً للالتزام بمرجعية المؤسسات، كي لا تبقى قرارات المجلس المركزي الفلسطيني الأخير حبرا على ورق، والتي استبقت نتائج انتخابات الكنيست، برفضها مقايضة الحرية وتقرير المصير بالدعم الامريكي وسلام نتنياهو الاقتصادي والتسهيلات المزعومة في التنقل واستيعاب العمالة، وأكدت على النهوض بمقاومة شعبنا الشاملة وملاحقة مسؤولي الحرب في المحكمة الجنائية الدولية وعقد الاطار القيادي المؤقت لتنفيذ اتفاقية المصالحة، سبيلا لتغيير ميزان القوى المختل لصالح المحتل، وعلى وقف التنسيق الامني.
لا بديل عن انقاذ النظام السياسي الفلسطيني من الانفجار والتشظي، ولا مهرب من ان ينتفض الشعب الفلسطيني ليعرب عن رفض شرعية قوى الانقسام وسلطات الامر الواقع درءاً لنكبة أخطر وأكبر، ومن أن تقال كلمة الفصل دون تردد وتسويف: لا للمفاوضات والحلول الثنائية، ونعم لمؤتمر دولي فعّال بديلاً لها تحت اشراف الامم المتحدة لتنفيذ قراراتها ذات الصلة وليس التفاوض بشأنها في مجلس الامن الدولي من جديد، ولا مفر من تنفيذ اتفاق المصالحة دون تسويف او انتقاء، وتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني على اساس ديمقراطي بوصفه برلمان الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير ودولة فلسطين، ومن انتخاب قيادة وطنية واحدة موحدة لمنظمة التحرير ونضال شعبنا، بوصفها الشرط الحاسم لتتويجه بدحر الاحتلال والظفر بالحرية والاستقلال والعودة.
لن ينجح نتنياهو فيما فشل فيه اسلافه وفشلت فيه انتهاكاتهم خلال سبعة وستين عاما من النكبة، بطمس هوية شعبنا وحقوقه الثابتة غير القابلة للتصرف، فشمس حرية فلسطين قادمة لا محالة، مهما توهم وأركان حكومته بأن لا جديد تحت الشمس، وجمح بهم الخيال في قدرتهم على الجمع بين الاحتلال وانتهاكات الحرب والمفاوضات، ووعود الرخاء الاجتماعي لناخبيهم ببركة الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق، في كنف ما يسمونه بالدولة اليهودية في اسرائيل.