نزل خبر وفاة القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بكر بلال كالصاعقة على آذان أبناء حركته ومعارفه ومحبيه، فلم تكن وفاته المفاجئة سوى حلقة تراجيدية جديدة تضاف لسلسلة طويلة من الألم والمعاناة له ولعائلته.
بين حياة السجون والمطاردة عاش القيادي بلال نصف عمره الذي ناهز الخمسين، رأى الموت ماثلا أمام عينيه مرات عديدة، لكن الله شاء له أن يمتد عمره ليعيش لحظات من الفرح بزفاف ابنه ورفيق أسره "سعيد" قبل أسابيع قليلة من توديعه الدنيا ساجدا بين يدي ربه في جوف الليل.
في يومه الأخير على وجه الدنيا، انطلق بعد صلاة الفجر بصحبة أحد أصدقائه إلى البلدة القديمة يتجول في أزقتها، وكأنه كان يلقي عليها نظرات الوداع، يستذكر أيام طفولته وأياما قضاها بين المقاومين خلال اجتياح عام 2002.
"هنا استشهد فلان، وهنا أصبت برصاص الاحتلال.. هنا كانت مجموعة من كتائب القسام، وهناك كانت مجموعة من كتائب شهداء الأقصى".. هكذا كان يطلع صديقه على بعض أسراره التي لم يعلم بها إلا قلّة ممن استشهد بعضهم أو أُسِر.
"أحد أبطال القسام السباقين في ميدان الجهاد والمقاومة في شمال الضفة المحتلة"، هكذا وصفته كتائب القسام.. كلمات قليلة تخفي خلفها الكثير من الغموض.
ولعل بعض ذلك الغموض ما أزاله ابنه سعيد حين ذكر أن أباه احتجز لأسبوع تحت الأرض خلال المعارك التي شهدتها البلدة القديمة عام 2002 إثر انهيار نفق يستخدمه المقاومون.
نشأة طيبة
وُلد بكر في البلدة القديمة بمدينة نابلس عام 1965 لأسرة تعود أصولها لبلدة طلوزة شمال مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة.
والده الداعية الراحل الشيخ سعيد بلال أحد قادة الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، والذي كان إماما لمسجد التينة بحارة القريون، أما والدته، فكانت من السباقات إلى العمل النسوي الإسلامي في بداية الصحوة الإسلامية.
على خطى والده، انضم بكر لجماعة الإخوان المسلمين منذ نعومة أظفاره، وتلقى تعليمه في مدارس نابلس، ومع انطلاقة الانتفاضة الأولى وحركة حماس عام 1987 كان بكر من أوائل المنضمين للحركة الوليدة والمنخرطين في فعاليات الانتفاضة.
تزوج بكر مطلع التسعينات، ورزق بأربعة من الأبناء، سعيد، وصفاء، وعز الدين، ومحمد، هؤلاء الذين لم ينعموا ووالدتهم بقربه إلا شهوراً معدودة كانت تفصل بين كل اعتقال وآخر.
ومنذ العام 1992، طحنت السجون من سنوات عمره ما يزيد عن 10 أعوام ونصف العام، يضاف إليها شهور عديدة أمضاها معتقلا لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
تعرض في اجتياح نابلس الشهير عام 2002 للإصابة بالوجه واليد، ونجا من موت محقق، واعتقل عام 2003 بعملية خاصة بعد مطاردة لمدة أربع سنوات، وخضع لتحقيق قاسٍ، أبدى خلاله صمودا منقطع النظير، ونجا من حكم بالمؤبد، وحُكم عليه بالسجن لثلاث سنوات ونصف.
وعن ذلك الاعتقال يقول ابنه سعيد: "140 يوماً أمضاها أبي في التحقيق العسكري والسري، وهو ينفي ما نسب إليه، فخرج والمحقق يقول: أعلم أنك كاذب، ولكن لا أستطيع انتزاع شيء منك".
بعد الإفراج عنه بدأت معاناة جديدة مع الاعتقال الإداري الذي لازمه حتى اليوم الأخير من العام الماضي، حين أفرج عنه بعد اعتقال إداري لعام ونصف.
نماذج للفداء
إذا ذُكر اسم بكر بلال ذكرت عائلته التي ارتبط اسمها بالسجون وبكل معاني التضحية والصبر على البلاء، عائلة شتت الاحتلال شملها فلم تجتمع على مائدة واحدة منذ عام 1992.
وفي عام 2009 كان بكر وإخوانه الأربعة ووالدتهم وابنه سعيد موزعين على سجون الاحتلال في آن واحد.
ويقول النائب داوود أبو سير أن بكر هو ابن أسرة كل فرد فيها، ذكرا كان أم أنثى، دفع ضريبة الإيمان والوطن، فكل أفرادها عرفوا السجون وغرف التحقيق.
وبدأت قصة العائلة مع السجون عام 1981 عندما اعتقل الوالد على خلفية مشاركته بتأسيس خلية مسلحة للحركة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وخضع حينها لتحقيق قاسٍ، وفرض عليه الاحتلال بعد إطلاق سراحه الإقامة الجبرية، ومنع من مغادرة مدينة نابلس.
في عام 1995 اعتقل شقيقه عثمان الذي كان من تلامذة الشهيد المهندس يحيى عياش، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، لدوره في التخطيط لإحدى العمليات الاستشهادية.
أما شقيقه معاذ فاعتقل عام 1998، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد 26 مرة، بتهمة الوقوف وراء سلسلة عمليات استشهادية بالقدس المحتلة عام 1997 نفذتها خلية "شهداء من أجل الأسرى" التابعة لكتائب القسام.
واعتقل شقيقه عمر عاما كاملاً بسجون الاحتلال، قبل أن يفرج عنه.
أما شقيقه الأصغر عبادة، فاعتقل عام 2002، وحكم عليه بالسجن 11 عاما، وأطلق سراحه بصفقة "وفاء الأحرار"، واعتقلت زوجته نيللي الصفدي خلال سنوات اعتقاله، وأمضت حكما بالسجن 21 شهرًا.
الحاجة الستينية "رابعة" والدة بكر ذاقت هي الأخرى مرارة الاعتقال، عام 2009 بينما كان جميع أبنائها في السجون.
كما اعتقل نجله سعيد عدة مرات، وأمضى عدة سنوات من عمره بين سجون الاحتلال والأجهزة الأمنية، مما أجبره على تغيير تخصصه الجامعي وأخّر تخرجه.
أما الشقيقة الوحيدة لبكر "غفران"، فكان نصيبها من التضحية أن اعتقل الاحتلال ابنيها أسيد وعمير سلامة.
صفات قائد
الحشود الغفيرة التي توافدت للمشاركة بتشييع جثمان بكر كانت أكبر استفتاء على ما يحظى به هو وعائلته من محبة في قلوب من عرفوه، والذين توزعوا على ثلاثة أجيال متعاقبة، لما عرفوا عنه من صفات لا تتوفر إلا في القادة والعظماء.
ويقول الأسير المحرر راغب بدر الذي كان ممن عرفوا بكر عن قُرب: "عرفته في السجن وخارجه، فكان محبا لإخوانه، شديد التواضع، لم نعرف فيه إلا المحبة والابتسامة والإخلاص والوفاء".
ويضيف كان محبا لإخوانه، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويضحي بوقته وبماله في سبيل دعوته ولخدمة إخوانه"، مشيرا إلى أنه جمع إخوانه في فلسطين حيا، وجمعهم بروحه ميتا.
الباحث والناشط في مجال الأسرى فؤاد الخفش يستذكر علاقة الصداقة القوية التي ربطته بالقيادي بلال وعائلته، منذ أن تعرف عليه في سجن النقب عام 1993.
ويقول أن الراحل امتاز بسعة الصدر، ومحبة الناس له، والشجاعة والإقدام في المواقف التي يجبن فيها الكثيرون.
ويشير إلى أنه أخذ على عاتقه قبل سنوات إقامة مهرجان الانطلاقة لحركة حماس في نابلس، في ظل ظروف أمنية معقدة.
وكان التواضع من أبرز سمات القيادي الذي آثر الابتعاد عن الأضواء، ويشير سعيد إلى أن مهرجان انطلاقة حماس قام على كاهليه، "وعندما بدأ المهرجان انسحب ليحتسي فنجان قهوة في دكانه، ولم يأخذ حتى شبرين على المنصة".
رحل بكر في غفلة من الزمن، وكما غيّبته السجون وأشقاءه عن وداع أبيهم عندما توفي عام 2005، غيبت السجون أشقاءه عن وداعه، فيما غيّب الإبعاد أصغرهم عبادة، وكذا والدتهم التي ذهبت لزيارة ابنها في غزة.